الأحد، 4 أكتوبر 2026



 صندوق العودة وإعادة الإعمار السوري–الأوروبي


لماذا قد يكون الاستثمار في عودة السوريين أقل كلفة لأوروبا وأكثر فائدة لسوريا؟


بقلم: الدكتور محمد محمد مظهر أحمد

باحث سياسي وخبير استراتيجي


بعد أكثر من عقد من إدارة أوروبا لأزمة اللجوء السوري، ربما حان الوقت لتغيير السؤال.


بدل أن تسأل أوروبا: كيف نعيد السوريين؟


ينبغي أن نسأل معًا:


كيف نجعل العودة خيارًا اقتصاديًا واجتماعيًا قابلًا للحياة، بحيث يربح السوري العائد، وتربح سوريا، وتربح أوروبا أيضًا؟


هذه ليست مسألة إنسانية فقط. إنها مسألة اقتصادية ومالية وأمنية أوروبية–سورية مشتركة.


من إدارة اللجوء إلى الاستثمار في العودة


توجد في ألمانيا وحدها كتلة سورية كبيرة. وتشير بيانات مكتب الإحصاء الألماني إلى وجود نحو 936 ألف شخص يحملون الجنسية السورية في سجل الأجانب بنهاية 2025، مع اختلاف الرقم بحسب المنهج الإحصائي المستخدم. وفي منتصف 2026 كان هناك نحو 262 ألف سوري يتمتعون بحماية اللاجئ و284 ألفًا بالحماية الفرعية.


وفي المقابل، بلغت النفقات الاتحادية الألمانية المرتبطة باللجوء والهجرة عام 2025 نحو 24.8 مليار يورو لجميع الجنسيات، وليس للسوريين وحدهم.


لذلك سيكون خطأ منهجيًا أن نقسم هذا الرقم على عدد اللاجئين السوريين ونزعم أن الناتج هو «كلفة السوري». لكن الرقم يكشف حجم الموارد التي تنفقها أوروبا سنويًا على إدارة ملف الهجرة والاندماج والحماية.


السؤال إذن:


ماذا لو حُوِّل جزء من هذه الموارد من إدارة آثار النزوح في أوروبا إلى معالجة أسباب عدم القدرة على العودة داخل سوريا؟


الفجوة هائلة


يقدر البنك الدولي كلفة إعادة بناء الأصول المادية السورية بنحو 216 مليار دولار: قرابة 82 مليارًا للبنية التحتية، و75 مليارًا للمساكن، و59 مليارًا للمباني غير السكنية.


في المقابل، تبلغ حزمة الاتحاد الأوروبي المعلنة لسوريا لعامي 2026–2027 نحو 620 مليون يورو، موزعة بين المساعدات الإنسانية والتعافي المبكر والدعم الثنائي.


هذه بداية مهمة، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير معادلة العودة.


فاللاجئ لا يعود إلى «منحة».


إنه يعود إلى بيت، وعمل، ومدرسة لأطفاله، ومستشفى، وكهرباء، ومياه، وأمن وقانون.


المقترح: صندوق بقيمة 12 مليار يورو


أقترح إنشاء:


Syrian-European Return and Reconstruction Fund – SERRF


برأسمال مستهدف قدره 12 مليار يورو لخمس سنوات، أي 2.4 مليار يورو سنويًا.


وهو أقل من نصف بالمئة تقريبًا من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للاتحاد الأوروبي موزعًا على خمس سنوات، وأقل من نصف ما أنفقته الحكومة الاتحادية الألمانية وحدها في عام واحد على مجمل تكاليف اللجوء والهجرة.


ولا ينبغي أن تكون الـ12 مليار منحة أوروبية كاملة.


يقترح تمويلها عبر مزيج من:


4 مليارات يورو من الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء،


3 مليارات تمويل طويل الأجل من بنك الاستثمار الأوروبي ومؤسسات التنمية الدولية،


3 مليارات استثمارات وضمانات للقطاع الخاص،


و2 مليار من مؤسسات دولية وصناديق عربية ومساهمات سورية واستثمارات المغتربين.


أين تذهب الأموال؟


يجب ألا يتحول الصندوق إلى شيك مفتوح للحكومة السورية، ولا إلى مساعدات استهلاكية تنتهي بعد أشهر.


يقترح توزيع موارده وفق قاعدة 40–25–20–10–5:


40%، أي 4.8 مليارات يورو: للكهرباء والمياه والصرف الصحي والنقل والبلديات والبنية التحتية في مناطق العودة.


25%، أي 3 مليارات: لإصلاح المساكن وبناء مساكن ميسرة وضمانات قروض السكن.


20%، أي 2.4 مليار: للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وخلق فرص العمل والتمويل الإنتاجي.


10%، أي 1.2 مليار: للمدارس والمستشفيات والتدريب المهني.


5%، أي 600 مليون: للحوكمة والتدقيق والرقمنة وقياس النتائج ومنع الفساد.


ثلاثة سيناريوهات


لا ينبغي أن تبدأ أوروبا بهدف سياسي من نوع «إعادة مليون لاجئ».


بل تبدأ بقدرة الاقتصاد السوري على الاستيعاب.


السيناريو الأول: 100 ألف عائد.


برنامج تجريبي بقيمة 2.4 مليار يورو، أي ما يعادل استثمارًا إجماليًا قدره 24 ألف يورو لكل عائد، لكن معظم المال لا يُدفع نقدًا للفرد؛ بل يبقى في سوريا على شكل منزل مؤهل، وشبكة مياه، ومدرسة، وفرصة عمل، ومشروع منتج.


السيناريو الثاني: 250 ألف عائد.


ترتفع المحفظة التراكمية إلى 6 مليارات يورو، مع توسيع البرنامج إلى المحافظات ذات القدرة الأكبر على استيعاب السكان وإيجاد فرص العمل.


السيناريو الثالث: 500 ألف عائد خلال خمس سنوات.


يصل الصندوق إلى كامل حجمه، 12 مليار يورو.


وبذلك يكون متوسط الاستثمار 24 ألف يورو لكل عائد، بينما يستفيد من البنية التحتية والمشروعات ملايين السوريين الذين لم يغادروا البلاد أصلًا.


وهذه نقطة أخلاقية بالغة الأهمية:


لا يجوز أن يحصل العائد من أوروبا على خدمات وفرص لا يحصل عليها السوري الذي بقي داخل بلده طوال الحرب.


لذلك يجب أن يكون الاستثمار مناطقيًا ومجتمعيًا لا امتيازًا شخصيًا للاجئ العائد.


العودة اختيار وليست صفقة ترحيل


يجب أن يقوم الصندوق على ثلاثة مبادئ غير قابلة للمساومة:


الطوعية، والكرامة، والاستدامة.


وقد أعلن الاتحاد الأوروبي نفسه أنه يريد عودة السوريين بصورة آمنة وكريمة وطوعية.


ومن ثم لا يكون الحصول على التمويل مرتبطًا بعدد الأشخاص الذين تُرحّلهم دولة أوروبية.


المؤشر الصحيح ليس:


كم سوريًا غادر ألمانيا؟


بل:


كم عائدًا بقي في سوريا بعد عامين من عودته، ووجد عملًا وسكنًا وخدمات ولم يضطر إلى الهجرة مرة أخرى؟


هذا هو مؤشر نجاح العودة.


عقد أداء لا صندوق مساعدات


يجب أن يعمل الصندوق وفق نظام الدفع مقابل النتائج.


لا تُصرف الأموال لمجرد توقيع العقود.


تُحدد لكل محافظة مؤشرات معلنة:


عدد المساكن المؤهلة.


عدد فرص العمل المستدامة.


ساعات الكهرباء.


الوصول إلى المياه.


عدد المقاعد المدرسية الجديدة.


زمن تسجيل الشركة.


نسبة المشروعات التي ما زالت تعمل بعد سنتين.


ونسبة العائدين الذين بقوا في مناطقهم بعد 24 شهرًا.


وتنشر النتائج كل ثلاثة أشهر على منصة إلكترونية مفتوحة.


ويخضع الصندوق لتدقيق سوري–أوروبي مستقل، مع مشاركة البنك الدولي أو بنك الاستثمار الأوروبي، وديوان محاسبة مستقل، وشركات تدقيق دولية.


ماذا تكسب أوروبا؟


أوروبا لا تقدم صدقة.


إنها تستثمر في استقرار جوارها الجنوبي.


كل وظيفة تُخلق في حلب أو حمص أو دمشق قد تقلل حافز هجرة جديدة.


وكل منزل يعاد تأهيله يزيد قدرة أسرة على العودة.


وكل شركة سورية صغيرة تستعيد نشاطها تتحول من متلقٍ للمساعدات إلى منتج ودافع للضرائب.


كما يستطيع الصندوق أن يفتح للشركات الأوروبية سوقًا لإعادة الإعمار، ضمن مناقصات شفافة وتنافسية، بدل ترك إعادة بناء سوريا لاقتصادات أخرى بالكامل.


وماذا تكسب سوريا؟


سوريا لا تحتاج إلى استبدال الاعتماد على المساعدات باعتماد جديد على أوروبا.


بل تحتاج إلى استخدام نافذة العودة لاستقطاب رأس المال والخبرة والتكنولوجيا والكوادر السورية الموجودة في الخارج.


فالسوري العائد من ألمانيا لا يحمل حقيبة فقط.


قد يحمل لغة، ومهنة، وخبرة صناعية، ومعرفة بالمعايير الأوروبية، وعلاقات تجارية.


لذلك يمكن إنشاء برنامج موازٍ باسم:


Return with Skills – العودة بالمهارات


بحيث يحصل الطبيب والمهندس والفني ورائد الأعمال والحرفي على حوافز مرتبطة بتأسيس نشاط أو تدريب سوريين آخرين، لا بمجرد تغيير محل إقامته.


أوروبا أمام خيار اقتصادي


الاتحاد الأوروبي أعلن أنه يريد الانتقال من إدارة الأزمة السورية إلى التعافي وإعادة الإعمار، وألمانيا وضعت الهجرة والتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار ضمن خطة عملها المشتركة مع دمشق.


إذن البنية السياسية موجودة.


ما ينقصها هو الأداة المالية التي تربط الملفات الثلاثة معًا.


ليس المطلوب أن تمول أوروبا فاتورة إعادة إعمار سوريا البالغة 216 مليار دولار.


المطلوب أن تبدأ بدائرة اقتصادية قابلة للقياس:


استثمار → بنية تحتية → وظيفة → عودة طوعية → إنتاج وضرائب → استقرار → استثمار أكبر.


وبدل أن تصبح عودة السوريين مصدر نزاع سياسي بين دمشق وبرلين وبروكسل، يمكن تحويلها إلى أكبر مشروع اقتصادي مشترك بين سوريا وأوروبا منذ عقود.


والسؤال الذي ينبغي أن يطرح في برلين وبروكسل ليس:


كم سيكلفنا إعادة إعمار سوريا؟


بل:


كم ستكلف أوروبا إذا بقيت سوريا غير قادرة على إعمار نفسها، وغير قادرة على استعادة أبنائها؟

د.محمد محمدمظهر أحمد

ليست هناك تعليقات: